محمد حسين هيكل

137

حياة محمد ( ص )

أقوى سند يجعلنا نستهين بكل شيء ونضحي عن طيب خاطر في سبيله بالمال والراحة والحرية والحياة ، وإذا كان الأذى من طبعه أن يزيد الإيمان استعارا ، فإن في استمرار الأذى والتضحية ما يشغل المؤمن عن دقة التأمل التي تزيد في أفق المؤمن سعة ، وفي إدراكه للحق قوّة وعمقا . وقد أمر محمد الذين اتّبعوه من قبل أن يهاجروا إلى الحبشة المسيحية أن كانت بلاد صدق ، وكان بها ملك لا يظلم عنده أحد ؛ فأولى بالمسلمين أن يهاجروا إلى يثرب وأن يتقوّوا بأصحابهم المسلمين فيها ، وأن يتازروا بذلك على دفع ما يمكن أن يصيبهم من شرّ ؛ ليكون لهم بذلك من الحريّة في تأمل دينهم والجهر به ما يكفل إعلاء كلمته ، كما يكفل نجاح الدعوة إليه ؛ دعوة لا تعرف الإكراه ، بل أساسها الرفق والإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن . وكان الحاجّ من يثرب في هذه السنة - سنة 622 ميلادية - كثيرين بالفعل وكان من بينهم خمسة وسبعون مسلما ، منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان . فلما عرف محمد مقدمهم ، فكّر في بيعة ثانية لا تقف عند الدعوة إلى الإسلام على نحو ما ظلّ هو يدعو إليه ثلاث عشرة سنة متتابعة في رفق وهوادة مع احتمال صنوف التضحية والألم جميعا ، بل تمتدّ إلى ما وراء ذلك ، وتكون حلفا يدفع به هؤلاء المسلمون عن أنفسهم الأذى بالأذى والعدوان بالعدوان . واتّصل محمد سرّا بزعمائهم وعرف حسن استعدادهم ، فواعدهم أن يلتقوا معه عند العقبة جوف الليل في أوسط أيّام التّشريق . وكتم مسلمو يثرب من معهم من المشركين أمرهم ، وانتظروا حتى إذا مضى ثلث الليل من يوم موعدهم مع النبيّ خرجوا من رحالهم يتسللون تسلل القطا مستخفين حذر أن ينكشف سرّهم . فلما كانوا عند العقبة تسلّقوا الشعب جميعا وتسلقت المرأتان معهم ، وأقاموا ينتظرون مقدم صاحب الرسالة . وأقبل محمد ومعه عمه العبّاس بن عبد المطلب ، وكان ما يزال على دين قومه ، لكنه عرف من قبل من ابن أخيه أن في الأمر حلفا ، وأن الأمر قد يجرّ إلى حرب ، وذكر أنه قد تعاهد مع من تعاهد من بني المطلب وبني هاشم أن يمنعوا محمدا ، فليستوثق لابن أخيه ولقومه حتى لا تكون كارثة يصلى بنو هاشم وبنو المطلب نارها ، ثم لا يجدون من هؤلاء اليثربيين نصيرا . لذلك كان العباس أوّل من تكلم فقال : يا معشر الخزرج ، إنّ محمدا منّا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده . وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم . فإن كنتم ترون أنكم وافون له فيما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك . وإن كنتم مسلميه وخاذليه بعد خروجه إليكم فمن الآن فدعوه . قال اليثربيون - وقد سمعوا كلام العباس : - سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول اللّه ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت . فأجاب محمد بعد أن تلا القرآن ورغّب في الإسلام : الحوار قبل البيعة - أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم . وكان البراء بن معرور سيد قومه وكبيرهم ، وكان قد أسلم بعد العقبة الأولى وقام بكل ما يفرض الإسلام ، إلا أنه جعل قبلة صلاته الكعبة ، وكان محمد والمسلمون جميعا يومئذ ما تزال قبلتهم المسجد الأقصى . ولما اختلف هو وقومه واحتكموا إلى النبيّ أول وصولهم إلى مكة ، رد محمد البراء عن اتخاذ الكعبة